فخر الدين الرازي
239
الأربعين في أصول الدين
وانما قلنا : انه يمتنع حصول ذلك على التعاقب لا معا ، لأنه يقتضي أن يعود المغلوب بعد صيرورته مغلوبا : غالبا . وذلك محال . الوجه الثالث : وهو أن شرط طريان أحد الضدين : زوال الضد الأول ، فلو كان زوال الضد الأول معللا بطريان الضد الثاني ، لزم توقف كل واحد منهما على الآخر . وهو محال . فهذه الوجوه الثلاثة : دالة على المنع من صحة الموازنة . وأما القول الثاني - وهو قول أبى على ، وهو اثبات القول بالاحباط مع القول بعدم الموازنة - فهذا أيضا باطل لوجهين : الأول : ان هذا يقتضي أن من عبد الله تعالى من أول عمره إلى آخره بأعظم الطاعات ، ثم شرب جرعة خمر ، أن يكون حاله وحال من لم يعبد الله قط على السوية . لأن عقاب شرب هذه الجرعة ، أبطل ثواب جميع تلك الطاعات ، ولم يسقط البتة من عقاب هذا الشرب شيء . ومعلوم أن ذلك باطل في بداهة العقول . والثاني : قوله تعالى : « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ » ( الزلزلة 7 ) فإذا كان عقاب الفسق أحبط ثواب الطاعات المتقدمة ، ولم يحبط بسبب ثواب تلك الطاعات شيء من عقاب هذه المعصية ، فقد ضاعت تلك الخيرات بالكلية . وذلك يناقض قوله تعالى : « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ » فثبت : أنه لو صح القول بالاحباط ، لكان اما مع الموازنة أولا مع الموازنة . وثبت فساد القسمين ، فوجب القول بفساد الاحباط أيضا . ومما يدل أيضا على فساد الاحباط : أنه إذا كان مستحقا لعشرين جزءا من الثواب ، ثم أتى بمعصية استحق بها عشرة أجزاء من العقاب . فلو قلنا : بأن هذا الطارئ يحبط السابق ، لكان اما أن تحبط هذه العشرة الطارئة تلك العشرين المتقدمة - وهذا قول باطل بالاجماع ، لأنه يكون ظلما - واما أن تكون العشرة الطارئة تحبط من العشرين